ابو بكر بن طفيل

49

حي بن يقظان

ولو سرت إلى هذه الأجسام الأخر لكانت مثله . فكان ينظر اليه بذاته مجردا عن هذه الأفعال التي تظهر ببادئ الرأي انها صادرة عنه ، فكان يرى أنه ليس الا جسما من هذه الأجسام . فيظهر له بهذا التأمل ان الأجسام كلها شيء واحد : حيها وجمادها متحركها وساكنها . الا انه يظهر ان لبعضها افعالا بآلات ، ولا يدري هل تلك الأفعال ذاتية لها ، أو سارية إليها من غيرها . وكان في هذه الحال لا يرى شيئا غير الأجسام . فكان بهذا الطريق يرى الوجود كله شيئا واحدا . وبالنظر الأول يرى الوجود كثرة لا تنحصر ولا تتناهى . وبقي بحكم هذه الحالة مدة . الأجسام كلها : منها ما يتحرك إلى جهة العلو ، ومنها ما يتحرك إلى جهة السفل . - وحركة الجسم لا تقف الا إذا اعترضها عائق . ثم إنه تأمل جميع الأجسام ، حيها وجمادها ، وهي التي عنده تارة شيء واحد ، وتارة كثيرة كثرة لا نهاية لها . فرأى أن كل واحد منها لا يخلو من أحد امرين : اما ان يتحرك إلى جهة العلو ، مثل الدخان واللهب والهواء ، إذا حصل تحت الماء ، واما ان يتحرك إلى الجهة المضادة لتلك ، وهي جهة السفل ، مثل الماء واجزاء الأرض ، واجزاء الحيوان ، والنبات ، وان كل جسم من هذه الأجسام لن يعرى عن احدى هاتين الحركتين ، وانه لا يسكن الا إذا منعه مانع يعوقه عن طريقه ، مثل الحجر النازل يصادف وجه الأرض صلبا ، فلا يمكنه ان يخرقه ، ولو أمكنه ذلك لما انثنى عن حركته فيما يظهر . ولذلك إذا رفعته وجدته يتحامل عليك بميله إلى جهة السفل ، طالبا للنزول . وكذلك الدخان في صعوده ، لا ينثني الا ان صادف قبة صلبة تحبسه ، فحينئذ ينعطف يمينا وشمالا ، ثم إذا تخلص من تلك القبة ، خرق الهواء صاعدا ، لان الهواء لا يمكنه ان يحبسه . وكان يرى الهواء إذا ملئ به زق جلد ، وربط ، ثم غوّص تحت الماء ، طلب الصعود ، وتحامل على من يمسكه تحت الماء ، ولا يزال يفعل ذلك حتى يوافي موضع الهواء ، وذلك بخروجه من تحت الماء ، فحينئذ يسكن ويزول عنه ذلك التحامل والميل إلى جهة العلو الذي كان يوجد منه قبل ذلك . لا يوجد جسم خال من الثقل أو الخفة . ونظر ، هل يجد جسما يعرى عن احدى هاتين الحركتين أو الميل إلى إحداهما